محمد أبو زهرة
59
المعجزة الكبرى القرآن
ونرى من هذا أن القائلين بهذا القول يشككون في مرتبة القرآن وكونه من عند اللّه تعالى من غير أن يقدموا دليلا ، بل إن القصد الذي يبدو من لحن القول والدعوى هو التشكيك المجرد في علو البلاغة القرآنية ، ومن وراء ذلك التشكيك ما يريدون من توهين ثم دعاوى بأنه من صنع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهكذا يسير الخط من احتمالات تنافى الواقع إلى توهين لأمر القرآن ، إلى ادعاء أنه ليس من عند اللّه . 35 - وإن القول بالصرفة نبت أول ما نبت في رواق الفلسفة الكلامية ، قاله شيخ من شيوخهم ، وهو إبراهيم بن يسار الشهير بالنظام المتوفى سنة 224 ه . فهو أول من جاهر به ، وأعلنه ودعا إليه ، ولا حي عنه كأنه مسألة من مسائل علم الكلام ، ونقول أنه أول من جهر به ولا نقول أنه أول من فكر فيه ، أو أول من ابتدأ القول به ، لأن الأفكار لا يعرف ابتداؤها وهي تتكون في خلاياها ، بل لا تعرف إلا بعد أن تظهر ، ويجاهر بها . جاهر بها ، وكان ذا فصح وبيان وحجة وبرهان ، وإن لم يكن مستقيم الفكر ، بل إنه يظن الظن ، فيحسبه يقينا ثم يبنى عليه ويقايس ، ويصحح القياس والتنظير بين الأشياء ، بينما الأصل ذاته يحتاج إلى قياس صحيح . ولقد نقده تلميذه الجاحظ المتوفى سنة 255 ه الذي كان معجبا بشخصه ، غير آخذ برأيه ، وقال فيه ذاكرا عيبه : « إنما عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه وجودة قياسه على العارض والخاطر ، والسابق الذي لا يوثق بمثله ، فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه ، كان أمره على الخلاف ، ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه ، وينسى أن بدء أمره كان ظنا ، فإذا أتقن ذلك وأيقن جزم عليه ، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه ، ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت ، وكأن كلامه خرج مخرج الشهادة القاطعة فلم يشك السامع أنه إنما حكاه عن سماع قد امتحنه ، أو عن معاينة قد بهرته » . لم يوافق التلميذ أستاذه ، لم يوافق الجاحظ شيخ الكتاب المسلمين وأكبر ناقد بين الناقدين شيخه ، وإذا كان إبراهيم بن يسار قد اشتهر بالبيان وسرعة الجواب ولسن القول ، فقد اشتهر الجاحظ بأنه ذواق الكلام وصير في البيان ، فإن خالف من يتسرع في الخبر ، ويبنى عليه ، فهي مخالفة الخبير العارف بتصريف القول ، وأفانين التعبير والتفكير . ولم يكن رد الجاحظ على شيخه رد المجادل المحاور ، ولكنه كان بالعمل . فقد كان أول من كتب في إعجاز القرآن من الناحية البيانية ، ليكون الرد على الصرفة ببيان الإعجاز الذاتي .